محمد بن جرير الطبري
25
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فباتت تعد النجم في مستحيرة * سريع بأيدي الآكلين جمودها والصواب من القول في ذلك عندي ما قاله مجاهد من أنه عنى بالنجم في هذا الموضع : الثريا ، وذلك أن العرب تدعوها النجم ، والقول الذي قاله من حكينا عنه من أهل البصرة قول لا نعلم أحدا من أهل التأويل قاله ، وإن كان له وجه ، فلذلك تركنا القول به . وقوله : ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى يقول تعالى ذكره : ما حاد صاحبكم أيها الناس عن الحق ولا زال عنه ، ولكنه على استقامة وسداد . ويعني بقوله : وَما غَوى : وما صار غويا ، ولكنه رشيد سديد ؛ يقال : غوى يغوي من الغي ، وهو غاو ، وغوي يغوى من اللبن : إذا بشم . وقوله : ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ جواب قسم والنجم . القول في تأويل قوله تعالى : وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى . . . وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى يقول تعالى ذكره : وما ينطق محمد بهذا القرآن عن هواه إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى يقول : ما هذا القرآن إلا وحي من الله يوحيه إليه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى : أي ما ينطق عن هواه إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى قال : يوحي الله تبارك وتعالى إلى جبرائيل ، ويوحي جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم . وقيل : عنى بقوله : وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى بالهوى . وقوله : عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى : يقول تعالى ذكره : علم محمدا صلى الله عليه وسلم هذا القرآن جبريل عليه السلام ، وعني بقوله : شَدِيدُ الْقُوى شديد الأسباب . والقوى : جمع قوة ، كما الجثى : جمع جثوة ، والحبى : جمع حبوة . ومن العرب من يقول : القوى : بكسر القاف ، كما تجمع الرشوة رشا بكسر الراء ، والحبوة حبا . وقد ذكر عن العرب أنها تقول : رشوة بضم الراء ، ورشوة بكسرها ، فيجب أن يكون جمع من جمع ذلك رشا بكسر الراء على لغة من قال : واحدها رشوة ، وأن يكون جمع من جمع ذلك بضم الراء ، من لغة من ضم الراء في واحدها وإن جمع بالكسر من كان لغته من الضم في الواحدة ، أو بالضم من كان من لغته الكسر ، فإنما هو حمل إحدى اللغتين على الأخرى . وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله : عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى يعني جبريل . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن أبي جعفر ، عن الربيع عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى قال : جبرائيل عليه السلام . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن أبي جعفر ، عن الربيع ، مثله . وقوله : ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : ذُو مِرَّةٍ فقال بعضهم : معناه : ذو خلق حسن . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله : ذُو مِرَّةٍ قال : ذو منظر حسن . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى : ذو خلق طويل حسن . وقال آخرون : بل معنى ذلك : ذو قوة . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثني الحسن ، قال : ثنا ورقاء جمعيا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى قال : ذو قوة جبريل . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران عن سفيان ذُو مِرَّةٍ قال : ذو قوة . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى قال : ذو قوة ، المرة : القوة . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام عن أبي جعفر عن الربيع ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى جبريل عليه السلام . وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال : عنى بالمرة : صحة الجسم وسلامته من الآفات والعاهات ، والجسم إذا كان كذلك من الإنسان ، كان قويا ، وإنما قلنا إن ذلك كذلك ، لأن المرة واحدة المرر ، وإنما أريد به : ذو مرة سوية . وإذا كانت المرة صحيحة ، كان الإنسان صحيحا .